ساسي سالم الحاج
224
نقد الخطاب الاستشراقي
وفي مجال الأحوال الشخصية ، نظّم التشريع المدني أحكام الزواج والطلاق بشكل كامل دقيق النظام . وفي مجال المعاملات المالية فصل التشريع المدني في مسائل البيع ، والإجارة ، والسّلم ، والمضاربة ، والمزارعة ، والشراكة ، والشفعة ، وغيرها . وفي مجال الجنايات والعقوبات فصّل التشريع المدني في العقوبات المعنوية والمادية ، وترك أمر الأولى للّه تعالى ليعاقب به الجاني يوم القيامة ، وحدّد العقوبات المادية الدنيوية وقسّمها إلى قسمين أساسيين : قسم يتعلّق بالحدود وفصّلها على وجه الدقة والحصر ، وقسم ترك تقدير العقوبة فيها للمشرّع الأرضي وهو ما أطلق عليه « التعزير » والتي يقصد بها من وراء إقرارها حفظ الأمن والسلام الجماعيين ، وإدخال الطمأنينة في نفوس المجتمع الإسلامي . وهكذا كان التشريع المدني شاملا لجميع مناحي الحياة التي تتطلبها الدولة الجديدة الفتية ، ويضيق بنا المقام لو فصّلنا القول فيها . وكان غاية ذكرنا لبعض هذه الأمثلة هو التدليل على أن الفقه الإسلامي في هذه المرحلة ، وإن كان في بداية نموّه وتطوّره ، واجه جميع المشاكل والمتطلبات التي كانت تقتضيها ظروف الدولة الناشئة ، بحيث يمكننا أن نؤكد - خلافا إلى ما يذهب إليه المستشرقون - أن هذه القواعد القانونية كانت غاية في الدقة والكمال ، ومستوفية لمتطلبات الأمة الإسلامية الناهضة ولم تكن بتلك القلّة أو السذاجة التي يصفها بها المستشرقون . ومما ساعد على بناء هذا الصرح الفقهي المتكامل الذي نظّم أمور الدنيا والآخرة عدة عوامل أساسية لم يتطرّق إليها المستشرقون إطلاقا منها : التدرّج في التشريع بحيث لا تأتي الأحكام دفعة واحدة فيصعب على الناس تقبّلها وتطبيقها كتحريم الخمر تدريجيّا والميسر ، والتدرّج في عقوبة الزنا من الحبس في البيوت والإيذاء بالقول إلى الجلد وربما الرجم أيضا ، والتدرّج في تنظيم قواعد الحرب والسلام من العفو بداية عن المشركين إلى قتالهم بعد أن قويت سواعدهم دفاعا عن أنفسهم . وهذا التدرّج في التشريع هو الذي ساعد على تقبّل الأحكام والقواعد القانونية الجديدة ، لأن النفوس الجامحة لا تؤخذ بالشدّة وإنما تؤخذ بالتدرّج شيئا فشيئا « 1 » .
--> ( 1 ) د . عبد العظيم شرف الدين ، تاريخ التشريع الإسلامي ، منشورات جامعة بن غازي ، الطبعة الثانية 1974 ، ص 68 .